محمد متولي الشعراوي
9285
تفسير الشعراوي
ونقول عنها : « بهائم » هي في الحقيقة ليست كذلك ، وقد أعطانا الحق سبحانه وتعالى صورة لها في مسألة الغراب الذي بعثه الله ليُعلِّم ولد آدم كيف يواري سوءة أخيه كما قال سبحانه : { فَبَعَثَ الله غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأرض لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا الغراب فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين } [ المائدة : 31 ] . فكيف صنع الغراب هذا الصنيع ؟ صنعة بالغريزة التي جعلها الله فيه ، ولو تأملتَ الحمار الذي يضربون به المثل في الغباء حين تريده أنْ يتخطى ( قناة ) مثلاً ، تراه ينظر إليها ويُقدِّر مسافتها ، فإن استطاع أنْ يتخطاها قفز دون تردد ، وإنْ كانت فوق إمكانياته تراجع ، ولم يُقْدِم مهما ضربته أو أجبرته على تخطيها ، هذه هي الغريزة الفِطْرية . لذلك تجد المخلوقات غير المختارة لا تخطىء ؛ لأنها محكومة بالغريزة ، وليس لها عقل يدعو إلى هوىً ، وليس لها اختيار بين البدائل مثل العقل الإلكتروني الذي يعطيك ما أودعته فيه لا يزيد عليه ولا ينقص ، أما الإنسان فيمكن أنْ يُغيّر الحقيقة ، ويُخفِي ما تريده منه ، لأن له عقلاً يفاضل : قُلْ هذه ، ولا تقُلْ هذه ، وهذا ما ميّز الله به الإنسان عن غيره من المخلوقات . كذلك ، ترى الحيوان إذا شبع يتمنع عن الطعام ولا يمكن أن تؤكله عود برسيم واحد مهما حاولتَ ، إنما الإنسان صاحب العقل والهوى يقول لك : ( أرها الألوان تريك الأركان ) ، فلا مانع بعد أن أكل حتى التخمة من تذوُّق أصناف شتّى من الحلوى والفاكهة وخلافه . وفي هذه الآية يقول الحق سبحانه وتعالى أنه : { اأعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى } [ طه : 50 ] .